عقد مصلى"أبي عبيدة مسلم" بالحميز (الجزائر العاصمة) يوم الجمعة 10 شوال 1429هـ الموافق ليوم 10 أكتوبر 2008م في إطار ختماته الأسبوعية، حواراً مفتوحا لمناقشة موضوع التنمية في غرداية بعد الفيضانات الأخيرة التي أتت على العديد من الهياكل القاعدية للولاية من مبانٍ ومحلاتٍ ومرافق اجتماعيةٍ، ممَّا جعل التفكير في مستقبل التنمية في المنطقة أمرا ضروريا ومستعجلا.
وقد كان الحوار مبنيًّا على نقطتين أساسيتين، هما:
1 – كيفية التفاعل مع الأزمة حاليا لتجاوز المتطلبات الاستعجالية للمواطنين.
2 – الاقتراحات المستقبلية لإعادة إعمار المنطقة، ولتجاوز مثل هذه الكوارث مستقبلاً.
افتتح اللقاء بعرض لبعض الصور من قلب الكارثة، لما خلَّفه هذا الابتلاء الربَّانيُّ من خسائرَ فادحةٍ في الأرواح والممتلكات، مع بعض الشهادات الحية من المعايشين لهذا الحدث والمشاركين في عملية الإنقاذ والإغاثة، وقد كانت الصور في الحقيقة كافية للتعبير عن نفسها وعن الرسائل الربَّانية التي تحملها في طياتها إلينا جميعاً.
وقد كان تركيز المتدخلين في النقطة الأولى على عدة أمور، أهمها:
1 – أن هذا الابتلاء يدعو كل واحد منَّا إلى محاسبة نفسه أولاً، في علاقته مع الله تبارك وتعالى، قبل أن يفكر في توجيه أصابع الاتهام، أو المسؤولية، أو التقصير، لأي طرف كان.
2 – إن هذه الفيضانات رغم ما فيها من المصائب والخسائر إلا أنها أظهرت تضامنا منقطع النظير من جميع فئات المجتمع، ومن مختلف الطوائف والولايات، فإذا كان الفيضان مسَّاحاً للبنايات والممتلكات من أراضينا فيمكن أن يكون أيضا مسَّاحاً للفوارق والضغائن من قلوبنا، فيكون سبباً لتمتين أواصر المحبة والتآلف بيننا.
3 – إن هذا التضامن والإحساس بروح المسؤولية مع إخواننا المتضررين يجب أن نحافظ عليه، وأن لا ينطفئ من قلوبنا، لأن المعالجة النهائية لكل مخلفات هذه الكارثة ليست بالأمر السهل، ولن تتم في أسبوع أو أسبوعين، ولا في شهر أو شهرين، بل ستحتاج منا إلى صبر جميل ونَفَس طويل وعمل متواصل، حتى يعود كل واحد من إخواننا إلى مسكنه، وإلى مكان عمله، وتعود الحياة إلى طبيعتها.
4 – إن هذه الفترة العصيبة تحتاج إلى الكثير من العقلانية والحزم في التسيير والتوزيع، حتى تتم المحافظة على الخيرات التي تتهاطل على الولاية من مختلف أنحاء الوطن، ويتم توجيهها إلى مستحقيها، بمقاديرها الضرورية من غير إسراف أو تبذير، وبصفة مستمرة إلى أن تعود الحياة إلى سيرها الطبيعي، إن شاء الله.
5 – لا تزال المنطقة محتاجة إلى الإعانة البشرية من أجل المساعدة في تنظيف المنازل من الأتربة والأوحال، وتنقية الشوارع من الأوساخ وجثث الحيوانات، حتى لا تتسبب في انتشار الأمراض والأوبئة.
6 – ضرورة تكثيف الاتصالات بين اللجنة المكلفة بتسيير الكارثة في غرداية والهيئات المنتشرة في مختلف أنحاء الوطن، من أجل الحصول على المعلومة الصحيحة، من احتياجات المواطنين وانشغالات المنطقة، حتى يتم التكفل بها في حينها.
أما عن قضية مستقبل التنمية في المنطقة فقد كانت أهم اقتراحات المتدخلين فيما يأتي:
1 – التفكير بجدية في قضية البناء مستقبلاً، لأن إعادة ترميم البيوت المهدَّمة في مكانها الحالي، يعني أنها مهددة بالسقوط مرة أخرى إذا ما عاد المساح، لا قدر الله. فالخروج من مجرى الوادي صار حتمية لا مفرَّ منها، إذا أردنا أن نجنِّب أنفسنا وأبناءنا وأحفادنا مرارة مثل هذه الكوارث.
والتفكير الذي يجب أن نركز عليه حاليا: إلى أين ستذهب هذه البيوت والعائلات؟ هل سنُنشئ قصرا جديدا، أم قصورا جديدة؟ وأين ستكون؟ وكيف يتم الإسكان فيها؟ وكيف يتم تنظيمها اجتماعيًّا؟...
2 – إن الأغلفة المالية التي قررتها الحكومة للمنطقة، يجب أن تسيَّر بحكمة وعقلانية، من أجل تحقيق التنمية الحقيقية والفعالة للمنطقة، ولا يتأتي هذا إلا بتوحيد جهودنا وتضافر قُوانا والاستعانة بطاقاتنا العلمية وكفاءاتنا الميدانية، لوضح خطة استراتيجية للمنطقة تأخذ بعين الاعتبار خصائصها الحضارية وتركيبتها الاجتماعية وتجربتها التاريخية، فتكون بمثابة مشروع مجتمع تتقدم به هيئاتنا العرفية وتطرحه بقوة وحكمة من أجل تسخير الغلاف المالي المقدَّم من الدولة لتحقيقه وتجسيده في الميدان.
3 – لا بد من المتابعة الميدانية المستمرة والدقيقة لكل شركة تتكفل بإنجاز مشروع من المشاريع التنموية، حتى تتم وفق المقاييس العلمية التي تتطلبها ظروف المنطقة الطبيعية والحضارية، ولا تكون مشاريعَ ترقيعيةً فقط من أجل ابتزاز الأموال التي خصصتها الدولة للمواطنين.
4 – إن معالجة هذه الكارثة التي كانت رسالة من الله تعالى، لا يمكن بأي حال من الأحوال أن تُعالج بما يغضب الله تعالى، فينبغي الوقوف بحزم ضد أي اقتراح للتنمية من طريق غير شرعي، كالإعانات البنكية الربوية أو غيرها مما يتنافى مع تشريع ديننا الإسلامي الحنيف.
وفي النهاية أشار المتدخلون إلى ضرورة ترك باب الحوار والمناقشة في هذا الموضوع – مستقبل التنمية في غرداية بعد الفيضان – مفتوحا على جميع المستويات والهيئات والمواقع، للإثراء والإدلاء بالمقترحات التي تستفيد منها الهيئات المعنية في وضع خطتها الاستراتيجية في المستقبل القريب إن شاء الله، قبل أن يتم اتخاذ القرارات الحاسمة في منأىً عن المعنيين الحقيقيين، وقد لا نستطيع مراجعتها بعد ذلك.
وفي النهاية اختتم اللقاء بالترحم على ضحايا هذه الكارثة وبالدعاء لأهلهم بالصبر والسلوان، وبالتضرع للمولى العلي القدير أن يلطف بنا وأن يرفع عنا البلاء والفتن، وأن يجعل هذه الكارثة سببا لتحسين ظروفنا وأحوالنا، وتمتين الألفة بين قلوبنا، وتم الاتفاق على أن تُعقد في المصلى ختمة للرجال كل يوم جمعة وأخرى للنساء كل يوم أربعاء، مع التركيز على قضية الدعاء والتوبة والرجوع إلى الله تعالى.
عن إدارة مصلى أبي عبيدة
كتبها منكوب في 06:54 صباحاً ::
الاسم: منكوب

